محمد بن جرير الطبري
35
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يقول تعالى ذكره : الله يرسل الرياح فتثير سحابا ، يقول : فتنشئ الرياح سحابا ، وهي جمع سحابة ، فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ يقول : فينشره الله ، ويجمعه في السماء كيف يشاء ، وقال : فيبسطه ، فوحد الهاء ، وأخرج مخرج كناية المذكر ، والسحاب جمع كما وصفت ردا على لفظ السحاب ، لا على معناه ، كما يقال : هذا تم جيد . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله فَيَبْسُطُهُ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ويجمعه . وقوله : وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً يقول : ويجعل السحاب قطعا متفرقة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً أي قطعا . وقوله فَتَرَى الْوَدْقَ يعني : المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يعني : من بين السحاب . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن قطن ، عن حبيب ، عن عبيد بن عمير يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً قال : الرياح أربع : يبعث الله ريحا فتقم الأرض قما ، ثم يبعث الله الريح الثانية فتثير سحابا ، فيجعله في السماء كسفا ، ثم يبعث الله الريح الثالثة ، فتؤلف بينه فيحمله ركاما ، ثم يبعث الريح الرابعة فتمطر . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : تنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد فَتَرَى الْوَدْقَ قال : القطر . وقوله : فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يقول : فإذا صرف ذلك الودق إلى أرض من أراد صرفه إلى أرضه من خلقه رأيتهم يستبشرون بأنه صرف ذلك إليهم ويفرحون . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ يقول تعالى ذكره : وكان هؤلاء الذين أصابهم الله بهذا الغيث من عباده من قبل أن ينزل عليهم هذا الغيث من قبل هذا الغيث لمبلسين ، يقول : لمكتئبين حزنين باحتباسه عنهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ أي قانطين . واختلف أهل العربية في وجه تكرير " ومن قبله " ، وقد تقدم قبل ذلك قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ فقال بعض نحويي البصرة رد من قبله على التوكيد نحو قوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وقال غيره : ليس ذلك كذلك ، لأن مع مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ حرفا ليس مع الثانية ، قال : فكأنه قال : من قبل التنزيل من قبل المطر فقد اختلفتا ، وأما كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ وكد بأجمعين لأن كلا يكون اسما ويكون توكيدا ، وهو قوله أجمعون . والقول عندي في قوله : مِنْ قَبْلِهِ على وجه التوكيد . القول في تأويل قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها . . . قَدِيرٌ اختلفت القراء في قوله : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " إلى أثر رحمة الله " على التوحيد ، بمعنى : فانظر يا محمد إلى أثر الغيث الذي أصاب الله به من أصاب من عباده ، كيف يحيي ذلك الغيث الأرض من بعد موتها . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ على الجماع ، بمعنى : فانظر إلى آثار الغيث الذي أصاب الله به من أصاب كيف يحيي الأرض بعد موتها . والصواب من القول في ذلك ، أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ؛ وذلك أن الله إذا أحيا الأرض بغيث أنزله عليها ، فإن الغيث أحياها بإحياء الله إياها به ، وإذا أحياها الغيث ، فإن الله هو المحيي به ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب . فتأويل الكلام إذن : فانظر يا محمد إلى آثار الغيث الذي ينزل الله من السحاب ، كيف يحيي بها الأرض الميتة ، فينبتها